عبد الله بن أحمد النسفي
435
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 107 إلى 110 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 107 ) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 108 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار ، وأما أبواه ياسر « 1 » وسمية « 2 » فقد قتلا ، وهما أول قتيلين في الإسلام ، فقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنّ عمارا كفر فقال : ( كلّا إنّ عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ) فأتى عمار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمسح عينيه وقال : ( ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ) « 3 » وما فعل أبو عمار أفضل لأنّ في الصبر على القتل إعزازا للإسلام . 107 - ذلِكَ إشارة إلى الوعيد وهو لحوق الغضب والعذاب العظيم بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا آثروا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ما داموا مختارين للكفر . 108 - أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فلا يتدبّرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق الرشاد وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة لأنّ الغفلة عن تدبّر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاه . 109 - لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ . 110 - ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ ثم يدلّ على تباعد حال هؤلاء من حال
--> ( 1 ) ياسر : هو ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي ، أبو عمار ، صحابي من السابقين إلى الإسلام ، يماني انتقل إلى مكة أظهر إسلامه بمكة عذبه المشركون ومات في العذاب نحو 7 ق . ه ( الأعلام 8 / 128 ) . ( 2 ) سمية : هي سمية بنت خباط ، صحابية ، من أوائل الذين أظهروا الإسلام بمكة قتلها أبو جهل بحربة فكانت أول شهيدة في الإسلام ( الأعلام 3 / 140 ) . ( 3 ) قال ابن حجر : هكذا أورده الثعلبي عن ابن عباس بغير سند ، وروى الحاكم عن زر عن ابن مسعود نحوه ورواه ابن سعد عن مجاهد .